الغزالي

419

إحياء علوم الدين

وقال أيضا ليوسف بن أسباط : إذا أوليتك معروفا كنت أنا أسر به منك ورأيت ذلك نعمة من الله عز وجل على فاشكر وإلا فلا تشكر ودقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يراعى قلبه ، فإن أعمال الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان ، وشماتة له لكثرة التعب وقلة النفع . ومثل هذا العلم هو الذي يقال فيه إن تعلم مسألة واحدة منه أفضل من عبادة سنة ، إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر ، وبالجهل به تموت عبادة العمر كله ، وتتعطل وعلى الجملة فالأخذ في الملإ والرد في السر أحسن المسالك وأسلمها ، فلا ينبغي أن يدفع بالتزويقات إلا أن تكمل المعرفة بحيث يستوي السر والعلانية ، وذلك هو الكبريت الأحمر الذي يتحدث به ولا يرى . نسأل الله الكريم حسن العون والتوفيق بيان الأفضل من أخذ الصدقة والزكاة كان إبراهيم الخواص والجنيد وجماعة يرون أن الأخذ من الصدقة أفضل ، فان في أخذ الزكاة مزاحمة للمساكين وتضييقا عليهم ، ولأنه ربما لا يكمل في أخذه صفة الاستحقاق كما وصف في الكتاب العزيز ، وأما الصدقة فالأمر فيها أوسع ، وقال قائلون بأخذ الزكاة دون الصدقة لأنها إعانة على الواجب ولو ترك المساكين كلهم أخذ الزكاة لأثموا ، ولأن الزكاة لا منة فيها ، وإنما هو حق واجب لله سبحانه رزقا لعباده المحتاجين ، ولأنه أخذ بالحاجة ، والإنسان يعلم حاجة نفسه قطعا وأخذ الصدقة أخذ بالدين ، فإن الغالب أن المتصدق يعطى من يعتقد فيه خيرا ولأن مرافقة المساكين أدخل في الذل والمسكنة وأبعد من التكبر إذ قد يأخذ الإنسان الصدقة في معرض الهدية فلا تتميز عنه وهذا تنصيص على ذل الآخذ وحاجته والقول الحق في هذا أن هذا يختلف بأحوال الشخص وما يغلب عليه وما يحضره من النية ، فإن كان في شبهة من اتصافه بصفة الاستحقاق فلا ينبغي أن يأخذ الزكاة ، فإذا علم أنه مستحق قطعا كما إذا حصل عليه دين صرفه إلى خير وليس له وجه في قضائه فهو مستحق قطعا ، فإذا خير هذا بين الزكاة وبين الصدقة ، فإذا كان صاحب الصدقة لا يتصدق بذلك المال